في ليلة ممطرة بعد أسبوعين كان كريم قاعد جنب ياسين اللي بدأ يتحسن شوية. الولد كان بيتفرج على الكرتون لأول مرة من أيام. فجأة سأله بصوت صغير: “إنت زعلان مني يا بابا؟” كريم لفله بسرعة. “إنت بتقول إيه؟” “عشان أنا ماعرفتش أحمي نفسي.” كريم حـ,ـضنه جامد وهو حاسس إن قلبه بيتفتت. “إنت طفل يا ياسين. اللي عمل كده وحوش… مش إنت.” الولد سكت شوية وبعدين قال: “هو كان بيقول إني محدش هيصدقني.” كريم بعد عنه وبص في عينيه مباشرة.
“وأهو كل الناس صدقتك.” لأول مرة من شهور… ياسين ابتسم ابتسامة صغيرة. لكن الهدوء ماكملش. بعد يومين كريم رجع البيت متأخر ولقي باب الشقة مفتوح. قلبه وقف. دخل يجري وهو بينادي: “ياسين!” مالقاش حد. الأوضة فاضية. البطانية على الأرض والشباك مفتوح. كريم حس إنه هيجن. نزل الشارع يجري وهو بيصرخ باسم ابنه. وفجأة تليفونه رن. رقم غريب. رد بسرعة وهو بينهج. الصوت اللي رد عليه كان رامي. “لو عايز تشوف ابنك حي… اسمع الكلام.” الـ,ـدم تجمد في عروق كريم.
“إنت عايز إيه يا ابن الكلب؟!” رامي ضحك ببرود. “عايزك تسكت. لأن لو فتحت بوقك تاني… هترجع تستلم جـ,ـثة.” كريم كان هينهار. “أرجوك… سيب الواد.” رامي قال بصوت مرعب: “هو السبب في كل اللي حصلي.” وفجأة المكالمة اتقفلت. كريم بلغ الشرطة فورًا والدنيا اتقلبت. ساعات طويلة من الرعب والبحث. لحد ما التليفون اتحدد مكانه في مخزن قديم على أطراف البلد. الشرطة حاصرت المكان وكريم كان واقف برا شبه الميت. وفجأة سمعوا صوت طلقة. قلبه وقف.
الضباط اقتحموا المخزن بسرعة. ثواني مرت كأنها عمر كامل. وبعدين خرج ظابط شايل ياسين. الولد كان مرعوب لكن عايش. كريم جري عليه ووقع على الأرض وهو بيحـ,ـضنه. “حبيبي… حبيبي إنت كويس؟” ياسين كان بيعيط وبيتشبث فيه بكل قوته. أما رامي… فكان مرمي جوه مصـ,ـاب بعد ما حاول يضـ,ـرب النـ,ـار على الشرطة. وفي النهاية اتحكم عليه بالسجن المؤبد بعد ما ظهرت جـ,ـرائم تانية قديمة ارتكبها. أما عبير… فخسرت حضانة ابنها واتحاكمت بتهـ,ـمة الإهمال والتستر. بعد شهور طويلة بدأت حياة ياسين ترجع بالتدريج.
بقى يخرج مع أبوه ويتمشى ويلعب كورة ويرسم رسومات فيها شمس بدل السواد. لكن أكتر لحظة كسرت قلب كريم كانت يوم حفلة المدرسة. المدرسة طلبت من الأطفال يكتبوا جملة عن الشخص اللي بيحسسوهم بالأمان. ياسين كتب: “الأمان هو لما أصحى من النوم وماخفش.” كريم قرا الجملة ودموعه نزلت غصب عنه. وفي آخر الليل بعد الحفلة رجعوا البيت سوا. ياسين كان نايم على كتف أبوه في العربية. قبل ما ينزله شاله بهدوء لكن الولد فتح عينه فجأة وقال بنعاس:
“بابا؟” “نعم يا قلب بابا.” “هو الوحش مش هيرجع تاني صح؟” كريم بصله للحظة طويلة وحضـ,ـن وشه بين إيديه وقال: “طول ما أنا عايش… محدش هيقربلك.” ياسين غمض عينه ونام أخيرًا وهو مطمن. لكن كريم فضل صاحي طول الليل. واقف في البلكونة بيبص للشارع المظلم وهو فاكر كل تفصيلة. وفجأة أدرك الحقيقة المرعـ,ـبة… مش كل الأطفال اللي بيبتسموا قدام الناس بيكونوا بخير. بعضهم بيستغيث بصمت… والمصيبة إن الوحـ,ـوش أوقات كتير بتكون مستخبية جوه البيت نفسه.