كريم حس إن رجليه مش شايلينه بعد ما سمع صـ,ـرخة ابنه. الاسم اللي نطق بيه ياسين كان كفيل يقلب الدنيا كلها. “عمو رامي.” الاسم وقع على ودنه تقيل. رامي كان جوز طـ,ـليقته الجديد. الراجل اللي عبير كانت بتقول عليه طول الوقت إنه محترم وبيحب ياسين وبيعامله زي ابنه. باب أوضة الكشف اتفتح فجأة وخرجت الدكتورة ووشها متجهم. بصّت لكريم وقالت: “حضرتك والد الطفل؟” هز راسه بسرعة. “ابنك محتاج يفضل تحت الملاحظة. وفي بلاغ لازم يتعمل حالًا.”
عبير قربت بعصـ,ـبية وقالت: “بلاغ إيه؟! إنتو مكبرين الموضوع ليه؟ الواد حساس وبيتدلع.” الدكتورة بصتلها نظرة كلها احتقار وقالت بحدة: “الطفل متعرض لأذى شديد ومش أول مرة كمان.” اللون اختـ,ـفى من وش عبير. أما كريم فكان حاسس إن الأرض بتميد بيه. “يعني إيه مش أول مرة؟!” الدكتورة اترددت ثواني قبل ما تقول: “في آثار قديمة واضحة عليه… ابنك بقاله فترة بيتـ,ـعذب.” كريم حس إن الدنيا اسودت قدامه. مسك الحيطة بإيده بالعافية وهو بيبص لعبير اللي بدأت تتراجع لورا.
“إنتي كنتي عارفة؟” عبير صـ,ـرخت بانهـ,ـيار: “ماعرفش! والله ماعرفش!” لكن حتى صوتها ماكنش مقنع. الظابط قرب منها وقال: “هتفضلي موجودة هنا لحد ما التحقيقات تبدأ.” في أوضة صغيرة جنب الطوارئ كانت الأخصائية النفسية قاعدة قدام ياسين اللي كان ملفوف في بطانية بيضا وبيبص في الأرض بخوف. كريم دخل بهدوء وقعد بعيد عنه شوية. ماحبش يخضه أكتر. “ياسين… بصلي يا حبيبي.” الولد رفع عينه بالعافية. “أنا آسف يا بابا.” الجملة قطعت قلب كريم. “آسف على إيه يا روح بابا؟”
ياسين بدأ يعيط بصمت. “عشان ماما قالتلي لو اتكلمت هتاخدوني دار أيتام ومش هشوفك تاني.” كريم قرب منه بسرعة وضمه لصدره. “لا يا حبيبي. والله ما هسيبك.” فضل الولد يرتعش بين إيديه وكأنه أول مرة يحس بالأمان من شهور. بعد ساعات طويلة بدأت الحقيقة تطلع واحدة واحدة. ياسين حكى إن رامي كان دايمًا يتـ,ـعصب عليه بدون سبب. يزعق فيه ويحبسه بالساعات في الأوضة الضلمة. ولو اشتكى لأمه كانت تضـ,ـربه وتقول إنه بيحاول يخرب جوازها. في البداية كريم كان سامع وهو حاسس بغـ,ـضب بس. لكن بعدها ياسين قال حاجة خلت الـ,ـدم يغلي في عـ,ـروقه.
“كان بيقول لماما إن الراجل لازم يربي العيل بالقسـ,ـوة.” الأخصائية النفسية سألت بهدوء: “ومامتك كانت بتعمل إيه؟” ياسين سكت شوية وبعدين قال: “كانت بتقف تتفرج.” الكلمة نزلت كأنها رصاصة. عبير اللي كانت قاعدة برا التحقيق انهـ,ـارت أول ما الشرطة واجهتها بكلام ابنها. “ماكنتش فاكرة إنه هيأذيه بالشكل ده! أنا كنت فاكرة بيأدبه بس!” الظابط رد بعصبية: “وابنك لما كان يصرخ كنتي بتعملي إيه؟” عبير دفـ,ـنت وشها بين إيديها وعيطت. “كنت بخاف يسيبني.” الجملة دي كانت أبشـ,ـع من أي اعتراف.
أم باعت ابنها عشان خـ,ـايفة تبقى لوحدها. في نفس الليلة الشرطة راحت تجيب رامي من بيته. لكن المفاجأة إن الراجل كان هـ,ـرب. كريم أول ما عرف حس إن جنونه هيقـ,ـتله. “هرب؟! يعني كان عارف!” الظابط قال: “واضح إنه لاحظ إن الموضوع انكشف.” الأيام اللي بعدها كانت جـ,ـحيم. ياسين دخل في نوبات خوف. كان بيصحى من النوم يصرخ. يستخبى تحت الترابيزة أول ما يسمع صوت عالي. حتى لما كريم يقرب منه فجأة كان بيتنفض برعب. وفي مرة وهو نايم كريم سمعه بيقول بصوت مخنوق:
“أنا كنت شاطر… والله كنت شاطر.” وقتها كريم خرج البلكونة وعيط لأول مرة من سنين. كان بيلوم نفسه. إزاي ماخدش باله؟ إزاي سابه يرجع كل أسبوع البيت ده؟ لكن الحقيقة إن عبير كانت ممثلة شاطرة. كانت دايمًا تظهر قدام الناس إنها الأم المثالية. تنزل صور لياسين على فيسبوك وتكتب: “قلبي وروحي.” بينما الطفل نفسه كان بيعيش في جحيم. بعد أسبوع ظهرت مفاجأة جديدة. مدرسة ياسين بعتت استدعاء لكريم. المديرة قعدته وقالت بتوتر: “إحنا حاولنا نتواصل مع والدته أكتر من مرة.”
“ليه؟” طلعت ملف صغير وحطته قدامه. رسومات. كلها بيوت سودا وأطفال بيعيطوا ورجل ضخم بعينين حمرا. وفي رسمة خلت قلب كريم يقع. طفل صغير مرسوم جوه صندوق. المديرة قالت بحزن: “الأخصائية النفسية كانت شاكه إن في عـ,ـنف بيتعرضله. بس والدته كانت بتيجي وتقول إنه بيتخيل عشان متأثر بالأفلام.” كريم مسك الرسومات وإيده بتترعش. ابنه كان بيستنجد بيهم من زمان… ومحدش أنقذه.