منوعات

الذئاب والحافلة

انكسـ . ـر الزجاج الخلفي أولاً… وبدأ العواء الحقيقي يعلو من داخل الحافلة هذه المرة انفجر الزجاج الخلفي إلى الداخل كالمطر الحاد، وتبعته موجة من الثلج والهواء المتجمد. صـ . ـرخت امرأة وهي تضم طفلها إلى صدرها، بينما تدافع الركاب نحو الأمام في حالة من الذعر. لكن الشيء الذي دخل أولًا… لم يكن ذئبًا. كانت يدًا. يد بشـ . ـرية شاحبة ذات أصابع طويلة جدًا، تتشبث بإطار النافذة المحطم، ثم تبعتها ذراع ملتوية بشكل غير طبيعي. وبعدها ظهر الوجه.

وجه الرجل الذي كان ملقى على الثلج. أو ما تبقى منه. جلده كان يتمزق من أطراف فمه حتى أذنيه، وعيناه الصفراوان تتحركان بسرعة بين الركاب، كأنه يشم الخوف نفسه. ثم ابتسم. وفي اللحظة التالية، اندفع إلى الداخل. تراجع الجميع وهم يصـ . ـرخـ . ـون، بينما قفزت الذئاب خلفه الواحدة تلو الأخرى، لكن المفاجأة أنها لم تهاجم مباشـ . ـرة. بل بدأت تدور بين المقاعد ببطء. تشمّ الركاب. تقترب من بعضهم وتتجاوزهم. وكأنها تبحث عن شيء محدد.

السائق حاول تشغيل المحرك مرة أخرى، يضـ ـرب المقود بيده ويصـ . ـرخ: “هيا… هيا اللعنة!” لكن الحافلة بقيت مـ. ـيتة. وفجأة، توقفت جميع الذئاب في اللحظة نفسها. التفتت رؤوسها نحو مؤخرة الحافلة. كان هناك رجل عجوز يجلس وحده منذ بداية الرحلة، صامتًا تمامًا، يضع قبعة صوفية سوداء ويضم حقيبة صغـ . ـيـرة إلى صدره. أحد الركاب صـ . ـرخ: “ماذا يريدون منه؟!” رفع العجوز رأسه ببطء. وكان وجهه شاحبًا كالمـ ـوت. ثم قال بصوت مبحوح:

“وجدوني أخيرًا.” ساد الصمت. حتى العاصفة في الخارج بدت وكأنها هدأت لتستمع. نهض الرجل ببطء، بينما كانت الذئاب تتراجع عنه لا تقترب منه. أما الكائن الذي كان رجلًا في السابق، فقد انحنى رأسه باحترام غريب. وقال: “أعدتنا الجبال إليك… أيها الحارس.” شهقت امرأة: “من أنت؟!” أغلق العجوز عينيه للحظة، وكأنه متعب من حمل عمر كامل فوق كتفيه. ثم قال: “قبل أربعين سنة… فتحتُ الباب الخطـ . ـأ.” ارتجفت الحافلة بعنـ ـف. وبدأ الجليد على النوافذ ينتشـ . ـر أسرع، كأنه ينمو حيًا فوق الزجاج.

تابع الرجل بصوت مرتجف: “كنا بعثة إنقاذ في هذه الجبال. وجدنا كهفًا قديمًا مدفونًا تحت الثلج… وسمعنا أصواتًا بداخله.” ابتلع ريقه. “كان يجب أن نهـ . ـرب.” اقتربت الذئاب أكثر، لكنها جلست هذه المرة بهدوء حوله، كأنها تستمع هي أيضًا. “لكننا دخلنا… ووجدنا شيئًا لا ينبغي للبشـ . ـر رؤيته.” رفع عينيه نحو المخلوق الواقف قرب النافذة المحطمة. “هم كانوا بشـ . ـرًا يومًا ما.” شهق الركاب. “العاصفة لا تصنعهم… بل توقظهم. وكل عدة سنوات، حين تشتد الثلوج، يبحثون عن دفء جديد… عن أرواح جديدة لتحل محل القديمة.”

صـ . ـرخ شاب: “إذن افعل شيئًا!” نظر العجوز إلى حقيبته الصغـ . ـيـرة. فتحها ببطء. وفي الداخل… كان هناك جرس معدني أسود قديم، مغطى بنقوش غريبة. وفور أن ظهر، بدأت الذئاب تعوي بعنـ ـف وتتحرك بتـ . ـوتر.
حتى المخلوق تراجع خطوة. همست المرأة الباكية: “ما هذا؟” قال العجوز: “الباب الذي فتحته… لا يُغلق إلا إذا عاد الحارس إليه.” ثم أمسك الجرس بيده المرتجفة، واتجه نحو الباب الأمامي للحافلة. صـ . ـرخ السائق: “إذا خرجت ستمـ ـوت!”

ابتسم العجوز ابتسامة حزينة. وقال: “أنا مت منذ أربعين سنة.” ثم فتح الباب. العاصفة ابتلعته فورًا. تبعته الذئاب جميعًا، واحدة تلو الأخرى، تاركة الحافلة فجأة في صمت مـ . ـرعـ . ـب. أما المخلوق الأخير، فقد بقي واقفًا للحظة عند النافذة المحطمة، يحدق في الركاب بعينيه الصفراوين. ثم ابتسم ابتسامته الممزقة… واختفى في الثلج. مرت دقيقة. ثم دقيقتان. وفجأة… عاد الضوء. اشتعلت الحافلة من جديد. ودار المحرك وحده. صـ . ـرخ السائق: “تمسكوا جيدًا!” وضغط على الوقود بكل قوته.

اندفعت الحافلة عبر العاصفة، تنزلق فوق الثلج بجـ . ـنون، بينما لم يجرؤ أحد على النظر خلفه. وبعد ساعات طويلة… وصلوا أخيرًا إلى أقرب بلدة. كانت الشمس قد بدأت تشـ . ـرق. الركاب خرجوا مرتجفين، بعضهم يبكي، وبعضهم غير قادر على الكلام. أما السائق… فبقي جالسًا خلف المقود لأنه رأى شيئًا أخيرًا في المرآة الجانبية قبل الوصول مباشـ . ـرة. وسط العاصفة البعيدة… كان العجوز واقفًا وحده فوق التل الثلجي. وحوله عشـ . ـرات الذئاب الصامتة.

لكن المفزع لم يكن ذلك. بل أن جميع الذئاب كانت تنظر نحوه باحترام… كما لو أنه لم يعد إنسانًا بعد الآن.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى