— “وفيه كمان توكيل بيع خاص بمطبخ الكاترينج باسم الأستاذة مريم.” أختي شهقت: — “إيه؟!” لفت ناحيتي بصدمة: — “يارا… أنا والله معرفش!” بصيت لها ببرود لأول مرة: — “بس قبضتي الأرباح عادي.” سكتت. ونزلت عينيها. … الظابط كمل: — “الأنسة يارا قدمت بلاغ من أسبوع عن تزوير توقيعها وسحب أموالها بدون إذن… وكنا بالفعل فاتحين تحقيق.” أبويا خبط المكتب: — “يعني هتصدقوا بنت على أهلها؟!” الظابط رفع عينه له: — “لما يكون مع البنت تسجيلات، وتحويلات، وشهود… آه، بنصدق.”
أمي فجأة انفجرت: — “عملنا كل ده عشان مصلحتها!” ضحكت. ضحكة صغيرة موجوعة. — “مصلحتي؟” لفيت لها. — “أنتي من وأنا عندي ١٤ سنة وأنا بطبخ بدل الشيفات، وبشتغل بدل العمال، وبنام على المكتب عشان الطلبات تخلص… وكل مرة أقول عايزة أعيش، تقولي البيت أولى.” دموعها نزلت. بس لأول مرة… مكنتش فارقة معايا. … الظابط قفل الملف وقال: — “فيه أمر بالتحفظ على الحسابات لحين انتهاء التحقيق.” أمي قامت مفزوعة: — “الحسابات؟!” — “أيوة… وكل الأصول اللي باسم الآنسة يارا.”
أبويا قرب مني بغـ,ـضب: — “إنتي هتسجنينا؟!” بصيت له بثبات: — “أنا؟ لا… أنتم اللي حفرتوا الحفرة بإيديكم.” … بعد ساعتين… خرجت من مكتب المطار. الهواء كان بارد. بس لأول مرة من سنين… كنت قادرة أتنفس. نهى كانت مستنياني برا. حـ,ـضنتني بعينيها قبل إيديها: — “خلصت.” هزيت راسي: — “لسه.” … رجعت البيت آخر مرة. البيت اللي قضيت عمري كله بخدمه. فتحت الباب بهدوء. كان فاضي بشكل غريب. دخلت المطبخ. مكان ما تعبت… وبكيت… ووقفت بالساعات.
وبعدين طلعت الظرف اللي كنت مجهزاه. حطيته فوق الترابيزة. جواه: نسخ من كل المستندات. وعقد بيع البيت. لأن البيت… كان باسمي أنا من ٣ سنين. أبويا وقت أزمة الضرائب القديمة سجله باسمي تهربًا من الحجز… وهو فاكرني مش فاهمة. بس المحاسب وقتها كان وفيّ… وشرحلي كل حاجة. وأنا سكت. واستنيت. … بالليل… أهلي رجعوا البيت منهارين. أمي أول ما شافت الورق صـ,ـرخت: — “بيع؟! بيع إيه؟!” أبويا خطف العقد. وقرأ الاسم. “المالكة: يارا مصطفى الحسيني.”
إيده بدأت ترتعش. — “إنتي…” — “بعت البيت.” مريم انهارت على الكنبة: — “هنروح فين؟” بصيت لها بهدوء: — “نفس السؤال اللي كنتوا مستنين تسألوني ليه وأنا واقفة في المطار.” … أمي وقعت على الأرض وهي بتـ,ـعيط: — “إحنا أهلك!” نزلت لمستواها لأول مرة من سنين. وقلت بهدوء موجع: — “الأهل سند… مش سجن.” … بعد أسبوع… النيابة بدأت التحقيقات الرسمية. القضية قلبت رأي عام صغير. “عيلة تستغل بنتها وتزور توقيعها.” مريم اتورطت في جزء من التحويلات واتـ,ـجمد حسابها.
أبويا خـ,ـسر شغله بعد ما الموضوع انتشر. وأمي… بقت تلف على القرايب تحاول تشرح إن “يارا اتغيرت”. لكن الحقيقة كانت أبسط من كده. أنا متغيرتش. أنا بس… بطلت أخاف. … أما أنا… فكنت قاعدة في الطيارة. بس المرة دي باسبوري في إيدي. حقيقي. باسمي. وحياتي أنا. المضيفة ابتسمت: — “أول مرة تزوري إيطاليا؟” بصيت من الشباك والسحاب بيتحرك بهدوء. وابتسمت لأول مرة من قلبي: — “أول مرة أزور نفسي.”
