في جلسة طلا.قنا، هشام جوزي ضحك لما شافني داخلة من غير محامي. “لا فلوس، ولا نفوذ، ولا حتى حد يسندك.. تفتكري مين اللي هينجدك مني يا سلمى؟” قالها بسخرية وهو متأكد إني خلاص انتهيت. كان مقتنع تماماً إني عاجزة، ومايعرفش مين هي أمي.. لحد ما الباب اتفتح ودخلت القاعة، وقتها كل حاجة وقفت، والضحكة اللي كانت على وش هشام اختفت.. وحل مكانها رعب حقيقي. حياته اللي كان راسمها كانت على وشك الانهيار.
كانت ريحة قاعة المحكمة عبارة عن خليط من الورق القديم والهدوء القاتل، مكان بتنتهي فيه حكايات كتير في صمت.
كنت قاعدة لوحدي على ترابيزة الدفاع، وإيدي في حجري، لابسة فستان كحلي بسيط كنت اشتريته من سنين لما كانت حياتي لسه مستقرة. “هشام” كان قاعد قدامي، وحواليه محامي من بتوع قضايا المشاهير، لابس بدلة شيك وواثق في نفسه جداً. هشام كان قاعد مسترخي، لدرجة إنه كان بيتعامل مع الجلسة كأنها صفقة بيزنس هو ضامن مكسبها.
لما القاضي نده على القضية، محامي هشام وقف بكل ثقة. ولما جه دوري، وقفت لوحدي.
قلت بهدوء: “مفيش محامي يا سيادة القاضي”.
همهمات بدأت تملأ القاعة، وهشام مكلّفش نفسه حتى يداري ضحكته. ساند ظهره على الكرسي وربع إيده وهو بيهز رأسه باستهزاء، وقال بصوت عالي عشان الكل يسمع: “من غير قرش صاغ، ولا سلطة، ولا ضهر يحميكي.. مين هينقذك يا سلمى؟”.
كلامه كان بيحرقني من جوه، بس وشي فضل ثابت. هشام كان فاكر إنه خلاص كسب؛ هو اللي معاه البيت، والحسابات، والعلاقات.
طول 12 سنة جواز، عزلني عن الدنيا كلها، عن صحابي وعن شغلي، لحد ما بقيت معتمدة عليه في كل كبيرة وصغيرة. ولما طلبت الطلا.ق بعد ما اكتشفت خيانته، جمّد كل مليم في البنك في ليلة وضحاها.. كان عايزني أرجع له مكسورة.
الجلسة بدأت، والمحامي بتاعه قدم ورق بيطلب فيه كل حاجة: البيت، وحضانة بنتنا “لينا”، ومؤخر ملوش أي قيمة. هشام كان مراقبني بعينيه، مستني يشوف دموعي أو لحظة انهياري.
لكن ده محصلش.
كنت بسمع بهدوء، وعارفة إن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ. دخولي من غير محامي مكنش غلطة، كان مخاطرة محسوبة.
القاضي بص لي بقلق، وكان مستني إني أطلب تأجيل الجلسة.
وقبل ما أنطق بكلمة، باب القاعة اتفتح.
صوت الفتحة كان هادي، بس تأثيره كان زي الزلزال.
دخلت ست طويلة، شعرها فضي، وليها هيبة تخلي القاعة كلها تسكت. كانت لابسة بدلة رسمية شيك جداً، ونظرتها ثابتة وقوية. فجأة الكلام انقطع، حتى القاضي رفع رأسه وباين عليه الارتباك.
هشام لف وشه ناحية الباب..
وشه بقى لونه أصفر.
الضحكة اختفت، وعينيه اتملت ذهول ورعب.
ساد الصمت في القاعة، لدرجة إن صوت عقارب الساعة بقى مسموع. هشام كان بيبص لأمي بذهول، ورجله بدأت تخبط في الأرض بتوتر. المحامي بتاعه، اللي كان فارد ضهره من شوية، لم ورقه بسرعة ووقف باحترام وهو بيهمس لهشام بصوت مرعوب: “دي المستشارة فريدة الشاذلي.. أنت مقلتليش إن حماتك هي ‘تعلب القانون’!”.
أمي مشيت بخطوات واثقة، كعب جزمتها كان بيعمل رنة في القاعة زي دقات طبول الحرب. وصلت عندي، طتبت على كتفي وبصت لهشام نظرة خلت ركبه تسيب، وقالت بكل هدوء:
“يا سيادة القاضي، أنا مش بس والدة المجني عليها، أنا المحامي الأصيل في الدعوى دي..
ومعايا ملف هيخلي الجلسة دي تنتهي في 10 دقائق.”
هشام حاول يتكلم، صوته طلع مخنوق: “ملف إيه؟ أنا مأمن نفسي.. هي ملهاش مليم عندي!”
أمي ابتسمت ابتسامة خفيفة وطلعت “فلاشة” وظرف كبير، وقالت:
“هشام بيه كان فاكر إنه لما يجمد الحسابات المشتركة هيخنق بنتي.. لكنه نسي إن بنتي كانت بتدير حسابات شركته من ورا الستار السنين اللي فاتت. الملف ده فيه كل التحويلات اللي هربها لبره، وفيه عقود الشقق اللي اشتراها بأسماء وهمية عشان يهرب من المؤخر والنفقة. والأهم.. فيه تسجيلات بتثبت خيانته وتخطيطه لإلحاق الضرر بيها.”
القاضي بص في الورق، وملامحه اتغيرت تماماً. هشام بص للمحامي بتاعه يلحقه، لكن المحامي بص في الأرض وقال له: “اللعبة خلصت يا هشام بيه.. أنت قدام فريدة الشاذلي.”
بعد نص ساعة، الحكم صدر:
تمكين كامل لسلمى من شقة الزوجية، حضانة نهائية للينا، ونفقة شهرية تعادل نص دخل شركاته اللي حاول يخبيها.
خرجنا من القاعة، وهشام كان واقف في الممر وشه شاحب زي الأموات. قربت منه وقلت له بكلمتين بس:
“أنا مكنتش محتاجة محامي ينجدني منك يا هشام.. أنا كنت محتاجة بس الوقت المناسب عشان أوريك إن اللي بيبني حياته على ك.سر غيره، بيجي عليه يوم وبيته كله بيقع فوق دماغه.”
أمي أخدتني في حضنها وقالت لي: “حقك رجع يا بنتي، ومن النهاردة مفيش حد هيقدر يك.سرك تاني.”
الخلاصة :
القصة دي مش بس عن الانتقام، هي درس لكل ست إنها لازم تكون واعية بحقوقها، وإن “الظهر” مش بس أهل أو فلوس، الظهر الحقيقي هو القوة النفسية والعقل اللي بيفكر ويخطط. الست القوية هي اللي بتعرف تسكت في الوقت الصح، عشان تتكلم وتضـ,ـرب ضـ,ـربتها في الوقت الأصح.
لو القصه عجبتك وعاوز تشوف منها تانی ادعمها بلایك وکومنت مع تحیاتی “الكاتبة نور محمد”
