“أمي…” تجمّد الد..م في عر,,وقي. الصوت كان ضعيفًا…
مبحو,,حًا…
كأنه خارج من شخصٍ يبكي منذ أيام. لكنني كنت أعرفه. الأم لا تنسى صوت ابنتها حتى لو مرّ عليه العمر كله. رفعتُ رأسي ببطء نحو آخر الممر. كان هناك بابٌ أبيض مغلق. نظرتُ إلى هيون وو. اختفى اللون من وجهه. أما الطفلة الصغيرة فالتصقت بساقي وكأنها تخشى ما سيحدث بعد ثوانٍ. ثم جاء الصوت مرة أخرى. أضعف هذه المرة. “أمي… لا تتركيني…” شعرتُ بشيءٍ ينف,,جر داخل صدري.
اندفعت نحو الباب. لكن هيون وو أمسك ذراعي بسرعة وقال بصوتٍ مرتبك: — حماتي… أنتِ متعبة الآن… دعيني أشرح… صرختُ فيه بعنف:
— اشرح ماذا؟! من التي خلف الباب؟! حاول الوقوف أمامي. لكنني دفعته بكل قوتي. لأول مرة منذ ستة أشهر لم أكن أمًا مكس,,ورة…
كنت أمًا تستعيد ابنتها من المو,,ت. أدرت المقبض بعنف. الباب كان مقفلًا. وفي اللحظة نفسها… خرجت امرأة كورية مسنّة من آخر الممر. وجهها بارد بطريقة مخيفة. كانت تحمل صينية صغيرة فوقها كوب ماء… وحقنة.
توقفت حين رأتني. ثم قالت شيئًا حادًا بالكورية لهيون وو. ارتجفت يداه. أما أنا فلم أكن أفهم اللغة…
لكنني فهمت الخوف. نظرتُ إلى الحقنة. ثم إلى الباب. ثم سمعتُ صوت فريدة يبكي من الداخل: — أمي… لا تسمحي لهم أن يُنوّموني مرة أخرى… سقطت الصينية من يد المرأة. وفي تلك اللحظة… عرفتُ أن ابنتي لم تكن ميتة. كانت محتجزة. دفعتُ الباب بجسدي وأنا أصرخ باسمها. وحين فتحه هيون وو أخيرًا… كدت أسقط من هول ما رأيت.
فريدة كانت مستلقية فوق سريرٍ أبيض قرب النافذة. شاحبة بشكل مرعب. أنحف مما أتذكر. وشعرها الطويل الذي كانت تحبه…
كان مقصوصًا بطريقة عشوائية. رفعت عينيها نحوي بصعوبة. ثم بدأت تبكي. — ماما… ركضتُ نحوها واحتضنتها. كان جسدها باردًا…
وخفيفًا…
كأن الحياة تغادره ببطء. ثم انتبهتُ لشيءٍ جعل الرعب يزحف داخلي أكثر. آثار حقنٍ زرقاء كانت تملأ ذراعها. التفتُّ فورًا نحو المرأة الكورية. كانت تقترب بالحقنة مرة أخرى وكأن وجودي لا يعني شيئًا. صرختُ فيها:
— لا تلمسيها!
توقفت المرأة. تكلمت بسرعة مع هيون وو. ثم قال لي بتوتر:
— فريدة مريضة… أمي فقط تحاول مساعدتها… صرختُ فيه:
— مريضة؟! أنتم أعلنتم موتها منذ ستة أشهر! بدأ الأطفال الثلاثة بالبكاء. ثم فجأة… اقتربت الطفلة الكبرى من السرير وهي ترتجف. أمسكت يد فريدة وهمست: — أمي… خرجت الكلمة كطعنة داخل الغرفة. أمي. ليست خالتي. ولا امرأة ميتة. أمي. ثم ركض الطفلان الآخران نحو السرير أيضًا. أحدهما بدأ يبكي وهو يقبّل يدها. والآخر اختبأ خلف ظهري وهو ينظر بخوف إلى جدته الكورية.
وفي تلك اللحظة… انهارت الكذبة كلها. لم تمت فريدة. بل كانوا يخفونها. حبسوها. وخدّروا امرأة حيّة…
ثم علّقوا صورتها بإطارٍ أسود وكأنها ماتت فعلًا. أخرجتُ هاتفي بيدٍ مرتجفة واتصلت بالإسعاف. حاول هيون وو منعي. وقال بسرعة:
— لا… لا شرطة… أرجوكِ… نظرتُ إليه بصدمة. الرجل الذي بكى على الهاتف وهو يخبرني أن ابنتي ماتت…
كان يخاف الآن من الشرطة أكثر من خوفه على زوجته. صرختُ فيه:
— ماذا فعلتم بها؟! لم يُجب. فقط أنزل رأسه بصمت.
وذلك الصمت كان أسوأ من أي اعتراف. وصل المسعفون بعد أقل من عشر دقائق… لكن بالنسبة لي كانت الدقائق الأطول في حياتي. كنت أجلس بجوار فريدة فوق السرير، أضم يدها بكل قوتي كأنني أخشى أن تختفي إذا تركتها للحظة. أما هي… فكانت ترتجف. كلما سمعت صوت خطوات في الممر، كانت أصابعها تنغرز في يدي أكثر. كأن جسدها حفظ الخوف حتى بعدما عادت للحياة. دخل المسعفون بسرعة. حقائب سوداء. أجهزة صغيرة. ووجوه هادئة بطريقة جعلتني أكره هدوءهم.
كنت أريدهم أن يصرخوا. أن يفزعوا. أن يدرك العالم كله أن ابنتي كانت حيّة طوال هذه الأشهر بينما علّقوا صورتها بإطارٍ أسود وكأنها ج*ثة. بدأ أحدهم يفحص نبضها. وآخر يسلط ضوءًا صغيرًا على عينيها. ثم توقف فجأة عند ذراعها. عبس. وأشار إلى آثار الحقن الزرقاء الممتدة تحت جلدها. تحدث بالكورية بسرعة مع زميله. وفي اللحظة نفسها… تدخلت والدة هيون وو. السيدة تشوي. كانت تقف في زاوية الغرفة بثبات مخيف، كأن ما يحدث مجرد سوء تفاهم بسيط.
تكلمت ببرود طويل مع المسعف. لكن قبل أن يُكمل… صرخت ملك فجأة. صرخة طفلة خائفة ظلت حبيسة صدرها سنوات. ركضت نحو السرير وهي تبكي: — لا تعطوها الإبرة مرة أخرى! أرجوكم لا! ساد الصمت داخل الغرفة. حتى المسعفون التفتوا إليها. كانت الصغيرة ترتجف بعنف وهي تشير نحو جدتها. ثم قالت بالعربية المكسّرة: — كانت تنام كثيرًا… كثيرًا… ولا تستيقظ… شعرت بقلبي يهبط داخلي. اقترب أحد المسعفين من ملك بلطف. لكن الطفلة اختبأت خلفي فورًا. أما الطفلان الآخران فكانا يبكيان بصمت قرب الباب.
ينظران إلى أمهما كما لو أنهما يخشيان أن يأخذها أحد مرة أخرى. ثم همست فريدة بصوت متقطع: — أطفالي… اقترب الأطفال الثلاثة فورًا. ركعت ملك بجوار السرير. أمسكت يد أمها بكلتا يديها الصغيرتين وقالت وهي تبكي: — ماما… لا تنامي مرة ثانية… أغمضت فريدة عينيها وهي تبكي بصمت. أما أنا… فكنت أشعر أن شيئًا داخلي يتحطم ببطء. أي جحيم عاشه هؤلاء الأطفال؟ وأي نوع من البشر يجعل طفلًا يخاف من نوم أمه؟ حاول هيون وو الاقتراب.
لكن ملك نظرت إليه بخوف حقيقي. الخوف نفسه الذي رأيته في عيني فريدة. توقف مكانه فورًا. كأنه أدرك أخيرًا ماذا فعل. وما الذي سمح بحدوثه. طلب المسعفون نقل فريدة إلى المستشفى فورًا. وحين حاولت السيدة تشوي الاعتراض، رفعت صوتي لأول مرة منذ وصولي: — إذا اقترب أحد من ابنتي مرة أخرى… سأبلغ الشرطة بكل شيء! ساد الصمت. ثم حدث شيء لم أتوقعه. هيون وو نفسه أنزل رأسه وقال بالكورية للمسعفين شيئًا قصيرًا. نظروا إليه للحظة…
ثم بدأوا بتحريك السرير. خرجنا من الشقة بسرعة. وأثناء نزول المصعد… لاحظت أن هيون وو يرتجف. ليس خوفًا على فريدة. بل خوفًا من الحقيقة التي بدأت تخرج أخيرًا إلى الضوء. في المستشفى بدت فريدة أضعف مما توقعت. أجهزة كثيرة. محاليل. أسلاك. وأطباء يتحركون حولها بسرعة. جلست بجوارها طوال الليل. أما الأطفال فناموا أخيرًا للمرة الأولى دون بكاء. كانت ملك ممسكة بطرف معطفي حتى وهي نائمة. كأنها تخشى أن أختفي أنا أيضًا. وفي الصباح… وصلت الشرطة.
دخل رجل وامرأة بملابس رسمية. وجلسا مع مترجمة عربية أرسلتها السفارة الأردنية. بدأت الأسئلة بهدوء. متى وصلتِ؟ من أخبركِ بوفاة ابنتك؟ هل رأيتِ الجثمان بنفسك؟ هل كانت فريدة تتواصل معكِ؟ كنت أجيب وأنا أشعر بالغثيان. ثم دخل هيون وو. كان شاحبًا بصورة مرعبة. جلس أمام الشرطة بصمت طويل. طويل جدًا. حتى إنني بدأت أسمع صوت الساعة على الحائط. ثم سأله الضابط شيئًا بالكورية. نظر هيون وو نحو غرفة فريدة الزجاجية. كانت نائمة تحت تأثير الدواء.
وأطفاله الثلاثة يجلسون قربها. حينها فقط… انهار. غطى وجهه بيديه. وبدأ يبكي. ليس بكاء رجل فقد زوجته… بل بكاء رجل أدرك أنه فقد نفسه منذ زمن. قال بصوت مكسور: — لم أكن أريد أن تصل الأمور إلى هذا… ترجمت المترجمة كلماته ببطء. ثم أكمل: — أمي قالت إن فريدة متعبة نفسيًا… وإنها تحتاج للراحة… شعرت بالغضب يحرق صدري. صرخت: — الراحة؟! كنتم تخدرونها! بكى أكثر. ثم قال جملة جعلت الغرفة كلها تصمت: — كنت خائفًا…
سأله الضابط عن ماذا. فأجاب بعد تردد طويل: — من خملك كل شيء. الشركة. العائلة. اسم العائلة. أمي كانت تتحكم بكل شيء. إذا عارضتها… كنت سأخسر أطفالي أيضًا. نظرت إليه بعدم تصديق. كنت أبحث داخل وجهه عن أي أثر للرجل الذي أحبته ابنتي يومًا. لكنني لم أرَ سوى شخص ضعيف. ضعيف لدرجة أنه سمح لزوجته أن تُدفن وهي ما تزال تتنفس. سأله الضابط سؤالًا آخر. ثم التفتت المترجمة نحوي وقالت بهدوء: — يسألونه إن كان شارك بنفسه في إيذائها.
رفع هيون وو عينيه ببطء. وكانت تلك أول مرة أرى فيها الرعب الحقيقي داخله. قال بصوت مبحوح: — لم أمسك بها… ساد الصمت. لكنني شعرت بالقشعريرة تزحف في جسدي. لأن تلك الجملة… لم تكن براءة. كانت اعترافًا أسوأ. هو لم يدفعها بيده. لم يحقنها بنفسه. لكنه وقف يشاهد. يشاهد زوجته تُعزل عن العالم. يشاهد هاتفها يُؤخذ منها. وجواز سفرها يُخفى. ويشاهد والدته تتحكم في طعامها… ودوائها… وحتى صوتها. ثم صمت. وأحيانًا… يكون الصمت أكثر قسوة من الج*ريمة نفسها.
أخرج الضابط بعض الأوراق. تقارير طبية.